ما وراء إغلاق المساجد واعتقالات موظفي الأمم المتحدة من قبل الحوثيين..؟

بقلم: د. عبدالوهاب العوج – خاص بشبوة تايم

تشهد المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي في اليمن تصعيدًا خطيرًا خلال الأسابيع الأخيرة، تمثل في إغلاق المساجد والمراكز الدينية السلفية وشنّ حملات اعتقالات واسعة طالت دعاة ونشطاء دينيين، وصولًا إلى احتجاز موظفين أمميين بتهم “التجسس”، في خطوة تكشف عن سياسة ممنهجة لتفريغ المشهد الديني والاجتماعي من التنوع وتحويله إلى فضاء خاضع بالكامل لهيمنة الجماعة وفكرها الجارودي.


سياسة التوحيد القسري للمشهد الديني

تتبنى الجماعة الحوثية منذ سنوات سياسة تهدف إلى طمس التعدد المذهبي والديني في اليمن. وتشير تقارير متعددة إلى إغلاق مراكز دينية ودور حديث في محافظات إب وذمار وصنعاء والحديدة وريمة، واستهداف معلمي القرآن والدعاة السلفيين بحملات اعتقال وتشويه إعلامي.

هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن رغبة الحوثيين في تحويل المساجد إلى أدوات تعبئة مذهبية تخدم مشروعهم، بعد أن كانت تاريخيًا رموزًا للوحدة المجتمعية والهوية اليمنية الجامعة.


دوافع أيديولوجية وأمنية

من الواضح أن الجماعة تحاول فرض رؤية مذهبية أحادية تُقصي كل من يختلف معها. وتستند في ذلك إلى ذرائع أمنية مثل “مكافحة التجسس” و”الحفاظ على الأمن”، لكنها في جوهرها خطوات تستهدف ترسيخ السيطرة الإيديولوجية وتحويل الدين إلى أداة سياسية.

هذا النهج يتماشى مع المشروع الإيراني الذي يرى في أي نشاط ديني أو مدني مستقل تهديدًا وجوديًا لنفوذه، وهو ما يفسر تزامن التصعيد الحوثي مع الخطاب الإيراني المعادي للمنظومة الدولية والمنظمات الأممية.


الاعتقالات ضد موظفي الأمم المتحدة

التحول الأبرز في الفترة الأخيرة هو استهداف موظفين تابعين للأمم المتحدة في صنعاء وذمار بتهم “التجسس”، ما يعكس تصعيدًا خطيرًا ضد العمل الإنساني والدبلوماسي.
فالجماعة، التي تحتجز موظفين أمميين، تحاول استخدام هذه الورقة للضغط السياسي على مكتب المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، وفرض شروطها في أي تسوية قادمة.

إبقاء مكتب الأمم المتحدة في صنعاء رغم الاعتقالات يثير تساؤلات حول قدرة المنظمة الدولية على حماية موظفيها واستقلاليتها أمام سلطة الأمر الواقع، ويُظهر أن التعاون الإنساني تحوّل إلى علاقة خاضعة للابتزاز.


مشروع “الولاية” وهيمنة الخوف

يتضح من مجمل هذه الانتهاكات أن الحوثيين يسعون إلى إعادة هندسة المجتمع اليمني وفقًا لعقيدة “الحق الإلهي والولاية”، ما يعني تأميم الدين والتعليم والإعلام والإغاثة لصالح فكرهم.
بهذا النهج، تتحول المؤسسات الدينية من فضاء للتعليم والعبادة إلى مراكز مراقبة وتجنيد، ويُستبدل التنوع اليمني العريق بثقافة طائفية مغلقة.

ويؤكد الكاتب أن الجماعة لا تقبل بالآخر — سلفيًا كان أو إصلاحيًا أو مؤتمريًا أو اشتراكيًا — بل تسعى إلى إخضاع المجتمع بالكامل تحت حكم نخبة تدّعي “القداسة” وتمثل ما يسمى بـ”الهاشمية السياسية” الوافدة من طبرستان والديلم.


خطر التفتت الوطني

إنّ استمرار هذه السياسات ينذر بتفكك النسيج الوطني، إذ يعمّق الانقسام بين الشمال الخاضع للحوثيين والجنوب والمناطق المحررة.
فكلما اتسع القمع في الشمال، اتسعت الهوة النفسية والسياسية بين أبناء اليمن، ما يجعل أي مشروع وطني جامع أكثر صعوبة.


دعوة إلى موقف وطني ودولي واضح

يؤكد الدكتور عبدالوهاب العوج أن ما يجري ليس مجرد انتهاكات حقوقية، بل معركة هوية وطنية.
ويحمّل المسؤولية للقوى الوطنية والمثقفين والعلماء بضرورة استعادة الخطاب الديني المعتدل وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني في المناطق المحررة كنموذج بديل.
كما يدعو إلى توثيق الانتهاكات الحوثية ورفعها إلى المحافل الدولية بلغة قانونية لضمان عدم إفلات الجناة من المحاسبة.

ويختتم قائلاً:

“ما لم يتشكل موقف وطني موحد ودعم دولي صريح لحماية الحريات الدينية والمدنية، فإن اليمن يسير نحو نموذج دولة بوليسية دينية مغلقة تُدار بالخوف والمراقبة، ويُخنق فيها التعليم والإغاثة والإعلام.”

Exit mobile version